فقط هو…

في دروب الحياة التقيا.. فتلاقيا نظرًا وتحادثا قلبًا وتلامسا روحًا.. ومضى الزمان ومضيا إلى أن وجدا أنفسهما فجأةً على مفترق طريق الرحيل.. رغم كل الأحداث المؤلمة، عندما تصافحت الأيدي لتبقى تذكارًا بينهما دون كلمة وداع، ما تركها فقط لأنه يحبها بحق.

لكن أحيانًا تقسو علينا الحياة وتجبرنا على الفراق.. فنرحل ليس حبًا في الرحيل، بل لأننا فعلنا كل ما بوسعنا من أجل البقاء مع الأحبة إلى الأبد…

فابتعدا وكأن الفراق سحب بساط السعادة من تحت أقدامهما.

ومنذ فراقهما، وهو على يقين أن الذين نحبهم بصدق حتى لو أخذتهم الأيام بعيدًا، وكان ما بيننا وبينهم فراقٍ بحجم مجرة، سيظلوا حاضرين في القلب والذاكرة. فنحن لا نودّعهم، لأنّنا في الحقيقة لا نفارقهم.. فقد خُلق الوداع للغرباء لا الأحبة.

فرغم الألم، فهو يعيش على أملٍ أن يومًا ما قد يجمع الله بينهما – حتى وإن كانت المسافة بينهما أرضًا وسماءً – بلا فراق…

فسلامٌ عليه الذي وعد بالبقاء – مهما كانت الظروف – وظل على عهده..

أصبح لديه عادة يومية تأمل صورتها على هاتفه.. فترتسم على وجهه ابتسامة للحظات يشعر خلالها بالشوق لكل شيءٍ معها…

فهو لم يخبرها من قبل أن وجهها يدعو للسلام، ولا أن عينيها تبدد تركيزه حين ينظر إليها وسط حديثه.

ولم يخبرها من قبل أن صوتها من مشتقات الجمال ولا أن تنهيدتها استراحة محارب بين السطور.

لم يخبرها أنها تشبه انعكاس وجهه في المرآة، ولا أن ضحكتها تنضح في روحه قبل تماثلها على ملامحها، وأن غيابها يزايدُ ضوءًا على الحاضرين.

ولم يخبرها أنه تتبّع خيالها مئات المرات في المدن التي زارها، ولا أن رائحة مصافحة يدها تمسك بتلابيب جلده لأيام.

لم يخبرها كل ذلك.. بل كان يكتفي كل يوم بارسال رسالة “صباح الخير حبيبتي.. كيف حالك؟”..

فالصباح الذي يبدأ باسمها على شاشة هاتفه الصغيرة ليس كمثله صباح؛ فهو لا يشبه ذلك الذي تلده الشمس كل يوم، بل كأنما يولِّد طاقةً ما في داخله تنير العالم من حوله….

ولكن يبقى السؤال الذي يلح عليه كل يوم داعيًا الله أن يمنحه القوة لتحقيق حلمهما: إلى متى سنظل هكذا بعيدين وبروحنا قريبين؟ وأين السبيل؟

ومنذ فراقهما، لم تلتق قط بمن شمسه تسطع بقوة في سماء روحها، وصار يصعب عليها الالتفات لنجمٍ يُزاحمه ليسحب منه الضياء!

لم تخبره من قبل أنه –فقط هو –من يسكن فضاءها.. وما دونه هباءً يتناثر.. فليس لكل مرورٍ تأثير بداخلها.. ولا أحد يستطيع بقلبها البقاء.. فهو لم يملأ قلبها فحسب، بل كفى عيناها أن ترى نورًا سواه..

ولم تخبره من قبل أن حُبه يُحييها ورجولته تملأ عليها الحياة لتحجب كل من يتلمس العبور.. فلا عبور إلا لمن بروحها سكن ولا دخول إلا لمن استوجب بحنانه حق الدخول ..

فرغم الألم، كلمة منه تُحييها وتُعيد لعينيها شمسًا طال غروبها فانطفأت.. وغيابه يُظلم الطريق فلا تقوى على المسير دونه وتتعثر في فزعٍ لفراقهم.

به وله يسمو قلبها فيطمأن.. ومعه فقط تصفو نفسها لجمال طلته.. فلا الحياة تحلو إن غضب.. ولا الروح تسكن إن ذهب.. فقط هو سر كل أمن بداخلها يستتب!

ولكن يبقى السؤال الذي يلح عليها كل يوم داعيةً الله أن يمنحها الصبر على فراقهما حتى يتحقق حلمهما: إلى متى .. سنظل هكذا بعيدين وبروحنا قريبين؟ وأين السبيل؟

©2018 Dina Al-Mahdy All Rights Reserved

2 comments

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s